الثلاثاء، 1 أبريل 2025
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة عيد الفطر المبارك للعام ١٤٤٦هـ بتاريخ الأحد ١ شوال
١٤٤٦هـ الموافق 30 مارس 2025م
*الخطبة الأولى*
الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ﷺ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد
يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى للنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة ١٨٥.
أيها المُسلِمُون
ودعنا شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، شهر الصوم ونزول القرآن رزقنا اللهُ تعالى ثمارَه في حياتِنا الخاصة والعامة، والدروس التي نستفيدُها منه أحبتي هي: * إعمار حياتنا الخاصة والعامة بالتقوى لأن المقصد من الصيام ومن كلِ العبادات هو تحقيقُ التقوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) البقرة؛ فلنُعمِّر قلوبَنا بالتقوى لتنعكس على الجوارح فتُثمر استقامةً سلوكية في الحياة الخاصة والعامة.
إن التقوى أحبتي ليست في الجوانب الشعائرية فحسب كما يظن البعضُ؛ ولكن في كلِ جوانبِ الحياة قال رسولُ اللهِ ﷺ: "اتَّقِ اللَّهَ حيثُ ما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ" الترمذي؛ ولذلك الله الله في الدماء البريئة فإن أول ما يُقضَى فيه بين الناسِ يوم القيامةِ الدماء وما يزال المؤمنُ في فسحةٍ من دينِه ما لم يُصِب دماً حراماً، الله الله في الأموال المُحرَّمة الخاصة والعامة فإنها تُورِدُ صاحبَها النار وإن كان مُجاهِداً وقُتِل في الجهاد ما لم يردها إلى أصحابِها، الله الله في العروض المُصانَة زِنَاً أو اغتصاباً فإن عواقبَها وخيمة في الدنيا والآخرة، الله الله في الألسن التي تكذِب أو تسخَر أو تُحرِّض قولاً أو
كتابةً في وسائل التواصل الاجتماعي ثم تكونُ النتيجة إصابة أبرياء بجهالةٍ فإن أصحابَها سيُصابُون بالندم يوم القيامة، الله الله في الحقوق فإن الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، الله الله في العدوان فإن اللهَ لا يُحبُ المعتدين، الله الله في الفساد فإن الله لا يُحبُ الفسادَ ولا يُصلِح عملَ المُفسدِين. فلنجعل تقوى الصيام أحبتي حائلٌ بيننا وبين هذه الكبائر التي انتشرت في زمانِنا.
* وكذلك من الدروس التي نستفيدُها من رمضان إعمار حياتَنا الخاصة والعامة بالقرآن فهو مفتاحُ الهدايةِ للتي هي أقوم (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء ٩؛ فلنُفعِّل عِلاقتَنا معه تلاوةً وتدبراً ولنكن وقَّافِين عنده عملاً بالأوامر واجتناباً للنواهي وتجسيداً للقيم والمباديء في الحياة لننعمَ بالرحمةِ الإلهية (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) النساء.
* أيضاً من الدروس فهم أن اللهَ تعالى لم يُرِد من تكليفنا بالعبادات ومنها الصيام التعسير علينا أو حصول المشقةِ لنا، بل التيسير (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)؛ ولذلك جعلَ
الصومَ آياماً معدودات، واستحب لنا تعجيل الفطور وتأخير السحور، ورخَّص الفِطر لأصحاب الأعذار كالمريض والمسافر والحامل والمُرضع إذا أثَّر الصيامُ على صحتِهما أو صِحةِ أطفالِهما، وتجاوز عن مَنْ أكل وشَرِب ناسياً وكل هذا تيسير؛ وإنما التيسيرُ الأكبرُ أحبتي هو أن شرَع اللهُ تعالى الصيامَ لعبادِه لتسمو نفوسَهم
بالتخففِ من سُفلِية الشهوات والمُسارعة في أبواب الخيرات، لتكون النفوس مُؤهلة للاستقامة بقية العام؛ ولذلك كانت الجوائز كبيرة "*إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بهِ"
* وبشارة النبي ﷺ *"مَن صامَ رمضانَ وقامَهُ، إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"،* والبشارة الإلهية الأكبر *(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)* الزمر ١٠، والصيام صبر *أليس هذا هو التيسيرُ بعينِه أن يُيسر اللهُ تعالى لنا أبواب التقرب إليه؟!.
* أيها المُسلِمُون
إن كفَنا عن الطعام الحلال والنكاح لأكثر من نصفِ اليوم ولمدة شهرٍ كامل، مع الالتزام بكف الجوارح عن الآثام تدريبٌ على الصبر والطاعات وحسن الأخلاق فلنستفِد من هذا المعنى لنُجسِّده في حياتِنا بقية العام.
* وفي إحياء سنةِ القيام على مدى ثلاثين يوماً في التروايح والتهجد تدريبٌ على السمو في درجاتِ القُربى من اللهِ تعالى فلنحرص على إحياء هذه السنة أقلها ركعتين بعد العشاء وأكثرها فعل المُحسنِين (كَانُوا قَلِيلًا منَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) الذرايات.
* وفي تشريع الفِدية لإطعام المساكين والحث على الإنفاق واستحباب تفطير الصائمين وتشريع زكاة الفطر إحياءٌ لروحِ التراحم والتكافل داخل مجتمعاتِ المسلمين؛ فلنستمر في إحياء هذه المعاني لنُجسِّد معنى أن المسلمين كالجسدِ الواحد إذا اشتكى
منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَى. * وفي الالتزام الصارم بأوقاتِ الفطر والصوم، ومن قبلِها الالتزام بأوقاتِ الصلاة، وحُولان الحول في الزكاة، ومواقيت الحج تدريبٌ على تنظيم الوقت والانضباط بالمواعيد في الحياة؛ فلنستلهم هذا المعنى في خيري الدنيا والآخرة فإن الوقتَ كالسيفِ إن لم تقطعه قطعك كما قال الحكيم.
أيها المُسلِمُون
عيدُ الفطر شكرٌ للهِ تعالى على تمامِ نعمةِ الصيام، وتكبيرٌ له على هدايتِه لنا لهذه الفريضةِ العظيمة وما فيها من حكمٍ ومقاصد
(وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ.ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
والعيد إظهارٌ لوحدةِ المسلمين وقوتِهم ولذلك كان يُصليها رسولُ اللهِ ﷺ في فلاة أي ساحة واسعة ويُرجَى أن نُصليها في المساجد لظروف الحرب، وهو فسحةٌ للترويحِ عن النفس، وإحياءٌ للتواصل والتزاور بين الأرحام والأصدقاء والجيران، ومناسبةٌ لطي صفحةِ الخصومات وتجسيدِ معاني التسامح والعفو بين الناس؛ فلنحرص أحبتي على الاستفادة من هذه المعاني في حياتِنا بعد العيد.
أيها المُسلِمُون
حبَانا اللهُ تعالى في السودان بنعمٍ كثيرة: موارد متعددة زراعية
وحيوانية وسمكية ومائية ومعدنية ونفطية وقبل ذلك بشرية؛ ولكن بكلِ أسف لم نُوظِف هذه الموارد في تحقيقِ نهضةِ البلاد ولا تيسير مصالحِ العباد. وجاءت هذه الحرب لتقضي على ما كان موجوداً على قلتِه وتواضعِه؛ فبالإضافة إلى وقوع آلافِ القتلى
والجرحى من المدنيين والعسكريين توقفت المشاريع الزراعية، ودُمِرت البِنى التحتية، ونُهبِت أموالُ الناسِ وممتلكاتِهم، وضاقت مصادر الدخل للأفراد مما جعل أكثرُهم يعتمد على المساعدات من الأهل أو المُحسنِين، ونزح أكثرُ من نصفِ سكانِ البلاد، وتشردت كفاءاتُه بين الدول، وهرب ما تبقى من رأسِ المال الوطني - إلا قليلاً- إلى الخارج، وتُهدد المجاعة حياة ملايين المواطنين في بلدٍ خيراتُه تكفيه وتفيضُ على جِيرانِه.
وعلاوةً على ذلك أنتجت الحرب تحديات تتطلب المعالجة:
* تحدي المحافظة على وحدةِ البلاد ومنع انزلاقها إلى التقسيم تمهيداً للانفصال كما حدث في جنوب السودان.
* تحدي انتشار السلاح في أيدي جماعات متعددة بدلاً من وجودِه في أيدي القوات النظامية فقط.
* تحدي وجود آلاف المواطنين الذين تحولوا إلى نهَّابين وسارِقين
لأموالِ وممتلكاتِ الناس مما يُنذِر بتهديد السلم إذا لم يجد الحسم المطلوب، ولا يعني الحسم أخذ الحق باليد؛ ولكن اتخاذ كل ما يلزم لحماية المواطن في نفسِه وممتلكاتِه.
* تحدي انتشار خطاب السخرية والعنصرية والكذب والتحريض والثأر في وسائل التواصل الاجتماعي مما يُغيِّب الوعي وقد يجعل التفريق بين الأبرياء والمجرمين أمراً صعباً خاصةً في حالة عَمى الغضب الذي نعيشُه الآن. أيها المُسلِمُون لا ينفع الوقوف على الأطلال والبكاء على اللبن المسكوب؛ وإنما أخذ العبرة من سوءِ الحال لاتخاذِها فرصةً للنهوض بالبلاد، وإيجاد حياةً أفضل لما تبقى من العباد؛ وهذا النهوض لا يأتي بالتمني بل بالوعي والتخطيط والعمل من أجلِ مستقبلٍ أفضل، ونضع في الخطبة الثانية إن شاء الله مؤشرات عامة للمُضي في الطريق الصحيح.
*الحديث*
قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي وهو يُعرِّفُه عن الإسلام "أيُّها الملِكُ كنَّا قومًا أهْلَ جاهليَّةٍ نعبدُ الأصنامَ، وَنَأْكلُ الميتةَ، وَنَأْتي الفواحِشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، ويأكلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فَكُنَّا على ذلِكَ حتَّى بَعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصِدقَهُ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ، فدعانا إلى اللَّهِ لتوحيدِهِ، ولنَعبدَهُ ونخلعَ ما كنَّا نعبدُ نحنُ وآباؤُنا من دونِهِ منَ الحجارةِ والأوثانِ، وأمرَنا بصِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأَكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذفِ المُحصنةِ، وأن نعبُدَ اللَّهَ لا نُشرِكُ بِهِ شيئًا، وأمرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ" صحيح بن خزيمة. أو كما قال أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو
الغفور الرحيم.
*الخطبة الثانية*
الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ﷺ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد قال تعالى (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) الفرقان.
وعن تميم الداري أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ" مسلم.
أيها المُسلِمُون
لكي نمضي في الطريق الصحيح لتأسيس حياة كريمة أفضل في بلادنِا نحتاج إلى الكثير ولكن نكتفي ببعض الموجهات العامة: أولاً: أول خطوة في الطريق الصحيح اعتماد التوافق الوطني بديلاً للانقسام والاستقطاب السياسي قال تعالى (وَلَا تنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) الأنفال؛ فإن الانقسام والاستقطاب هو أكثرُ مدخلٍ يستغله
الأعداءُ لتفتيت البلدان، فلنبحث أحبتي عن صيغة للتوافق الوطني حول ثوابت نلتزمُ بها جميعاً حُكاماً ومُعارضين. ثانياً: الحكم الراشد هو مفتاحُ النهضة وأساسُ الحياةِ الكريمة لأي مجتمع؛ ولذلك جعله اللهُ تعالى من أعظمِ وأنفعِ المواعظ التي وعظنا بها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء ٥٨؛ فهل نُجسِّد موعظةَ اللهِ تعالى لنكون في الطريق الصحيح أم نزيد الخراب الذي خلفته الحرب بخرابٍ آخر قال ابن خلدون في المقدمة " إن الظلمَ مُؤذنٌ بخرابِ
العِمران".
*ثالثاً: توظيف الموارد في النفع العام لا الخاص* رأينا في هذه الحرب بشاعة نهب أموالِ الناسِ وممتلكاتِهم التي جمعوها بشقِ الأنفس؛ فكيف ينامُ قرير العين من نهبَ أو سرقَ حقَ غيرِه؛ وفي المقابل يجب أن نستبشع أكل المال العام بنفس الدرجة حفظاً للحق العام؛ فمَنْ يأكل المال العام بفسادِ الأراضي أو بالرشاوي، أو
بتهريب موارد البلاد أو باستغلال النفوذ لا يقل جُرماً عن مَنْ نهب الأفراد؛ لأنه أضاع حقوق فئات واسعة من المجتمع فيهم اليتيم والمسكين والفقير، حتى المجاهد يُمكن أن يدخل النار بسبب ذلك قال رسولُ اللهِ ﷺ عن غلامٍ قُتل في خيبر أخذ شملةً من الغنائم قبل توزيعِها "*والَّذي نفسي بيدِه الشَّملةُ لَتحترقُ عليه الآنَ في النَّارِ غَلَّها مِن المسلِمينَ يومَ خيبرَ"* فقال رجلٌ مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ منصلَّى اللهُ عليه وسلَّم *أصَبْتُ يومَئذٍ شِراكَينِ* قال: *"يُعدَّدُ لك مِثلُهما في نارِ جهنَّمَ"* صحيح ابن حبان.
*انظر أخي المسلم لخطورة الأمر رغم أن المجاهدين لهم حقٌ في غنائم الحرب مع المعتدين من الكفار؛ ولكن استعجال هؤلاء -
لأخذ الغنائم التي لهم فيها حقٌ- قبل توزيعِها على المسلمين أوردهم نارَ جهنم، فلم يشفع لهم جهادُهم من ورودِها فاتعِظُوا يا أولي الأبصار*.
رابعاً: دروس فتح مكة في التسامي فوق الصغائر التي رسخَّها رسولُ اللهِ ﷺ في التعامل مع أهلِ مكة رغم إخراجهم له من الديار يجب أن تكون هادياً لنا في المجال الاجتماعي بدلاً من انتشار خطاب الثأر والانتقام، مع ضرورة محاسبة من ثبت تورطه في جرائم القتل والنهب وغيرها وفق منظومة التقاضي بالعدل لا بالفوضى.
خامساً: إن دعم التعليم وشمول نطاقَه للجميع
ينهض بنا ويحمي البلاد والعباد من آفاتِ الجهل؛ فكل الذي عشناه من إجرامٍ في هذه الحرب والذي تشيبُ لهولِه الوِلدَان أحدُ أسبابِه الجهل وضعف الوازع الديني والأخلاقي. أحد دروس هذه الحرب أن وجود بؤر الجهل في المجتمعِ من أكبر مُهدِّدات
الأمن والسلم فيه؛ فلنُفعِّل شعار اقرأ للجميع (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) العلق.
سادساً: القضاء على ظاهرة تعدد المجموعات المسلحة ودمج الصالح منها في جيش وطني واحد. إن وجود السلاح في يد أكثر من جهة أكبر مُهدد للأمن القومي للبلاد قال رسولُ
اللهِ ﷺ: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ". سابعاً: يجب أن تكون مأساة الحرب التي عشناها جميعاً درسٌ لنا مجتمعاً ودولة بالتعافي من جميع أمراض ما قبل الحرب وما بعدها وإلا ينطبق علينا المثل " ميتة وخراب ديار"!
أيها المُسلِمُون
فَرِح الملايين من السكان برجوع مدني، ومن بعدها العاصمة الخرطوم لأن رجوعَهما يُشكِّل بارقة أمل لعودة الحياة لطبيعتِها بعد عامين من الخوف والقتل والنهب والجوع وانقطاع الخدمات وتوقف فرص العمل، وتعطل حركة المواطنين، والنقص الحاد في الغذاء والدواء. فرح الأهلُ برجوعِهما ليعيشوا حياة الأمن والاستقرار وعودة الخدمات وعودة النازحين وخروج الأسرى، ولكن لا تكتمل الفرحة أحبتي إلا بعد استقرار جميع مناطق البلاد؛ فإن أحد دروس الحرب ألا نرضى لأنفسِنا حياة الأمن والاستقرار ونرضى لإخواننا في أية منطقة في البلاد حياة النزوح والخوف والجوع والقتل؛ فالمؤمنُ للمؤمنِ كالبنيان يشدُ بعضُه بعضاً كما قال رسولُ اللهِ ﷺ.
فلنعتبر أحبتي بما حدث من معاناة في هذه الحرب، ولنُعالج جذور ومُسببات الحروب التي دارت في بلادِنا لتكون هذه آخرُ حربٍ نمرُ بها لنعيش بعدها حياةً كريمة تتسق مع تكريم اللهِ تعالى لنا كبني آدم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ علىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء ٧٠.
أيها المُسلِمُون
لاتكتمل الفرحةُ ولو استقرت بلادُنا جميعاً مالم يستقر أهلُنا في غـ.ـزة بعد الإبادة الجماعية التي نفذها العـ.دو الصهـ.يـ.وني في حقِهم في ظل دعم أمريـ.كـي وتواطؤ غربي ينسف كل أدبيات حقوق الإنسان وصحوة الضمير التي انتظمت الغربيين بعد الحرب
الأطلسية الثانية، وفي ظل صمت إسلامي وعربي على الأقل في مستوى الأنظمة؛ فلنحمل جميعاً هم أهلنا في غـ.ـزة بالدعاء، ولنعمل على التأثير على صُناع القرار في بلدانِنا لاتخاذ قرارات أقوى لصالحِهم، ولنُظهِر التضامن معهم بالوسائل المتاحة ولو
على وسائل التواصل الاجتماعي، ولنتخذ من نكبة غزة مناسبة لتوحيد جبهتنا الداخلية فإن العدو يعول أكثر ما يعول على استغلال تناقضاتِنا الداخلية في ضربِ بعضِنا بعضاً ليسهل ابتلاعنا بعد ذلك قال الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون مُعلقاً على
الحرب العراقية الإيرانية قال: " هذه الحرب أُمنِيَة، والأُمنِيَة الثانية ألا ينتصر فيها أحد" والهدف ليَضعَف الجميع ويسهُل ابتلاعهم بعد ذلك؛ فهل نعي الدرس؟!
أبارك لكم العيد، وأسأل اللهَ أن يعيده علينا وبلادنا وأمتنا في أحسن حال. اللهم ارحمنا وارحم آباءنا، واهدنا واهد أبناءنا، واصلح اللهم حالنا في الدارين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك يا من يتولى الصالحين فتولنا برحمتك يا
أرحم الراحمين آمين.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)